محمد محمد أبو موسى

463

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

عز وعلا فعظم شأنه وعدد نعمته من لدن خلقه وانشائه إلى حين وفاته مع ما يرجى في الآخرة من رحمته ، ثم أتبع ذلك أن دعا بدعوات المخلصين ، وابتهل اليه ابتهال الأوابين ، ثم وصله بذكر يوم القيامة وثواب اللّه وعقابه ، وما يدفع اليه المشركون يومئذ من الندم والحسرة على ما كانوا فيه من الضلال ، وتمنى الكرة إلى الدنيا ليؤمنوا ويطيعوا » « 134 » . وفي مناصحة إبراهيم عليه السلام لأبيه ودعوته إلى التوحيد يلحظ الزمخشري ترتيب المعاني وتلاحقها كما يلحظ أسلوب الدعوة الهادئ ، والمجاملة اللينة ، والأدب الحسن ، وان كان في أعماقه صراعا بين الحق والباطل ، كما يناقش القضايا التي ساقها إبراهيم عليه السلام ويبين وجه قوتها ودلالتها ، وقد طالت دراسته لمعاني هذه المناصحة وترتيب أفكارها وقد أغفل المتأخرون هذا اللون من النظر في الدراسة البلاغية ، كما أغفلوا كثيرا من مباحثها ، وإذا كنا بصدد توضيح عنايته بدراسة المعاني ومناقشتها فمن الخير أن أذكر هذا النص القيم وان طال حديثه فيه . يقول في قوله تعالى : « وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ ، إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا . إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً . يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا » « 135 » إلى آخر الآيات . . يقول : « انظر حين أراد أن ينصح أباه ويعظه فيما كان متورطا فيه من الخطأ العظيم ، والارتكاب الشنيع الذي عصى فيه أمر العقلاء ، وانسلخ عن قضية التمييز ، ومن الغباوة التي ليس بعدها غباوة ، كيف رتب الكلام معه في أحسن اتساق ، وساقه أرشق مساق ، مع استعمال المجاملة واللطف ، والرفق ، واللين ، والأدب الجميل والخلق الحسن ، منتصحا في ذلك بنصيحة ربه عز وعلا . . . وذلك أنه طلب منه : أولا

--> ( 134 ) الكشاف ج 3 ص 253 ( 135 ) مريم : 41 ، 42